المحقق البحراني

262

الكشكول

فإن قلت : فعلى ما ذكرت من عدم الاعتماد على الدليل العقلي فلا يكون معتبرا بوجه من الوجوه . قلت : بل الدليل العقلي ينبغي تقسيمه إلى أقسام ثلاثة ( الأول ) ما كان بديهيا ظاهرا في البداهة ولا يعارضه آخر ، مثل الواحد نصف الاثنين وباقي درجته من البديهيات . ( الثاني ) ما كان دليلا عقليا عارضه نقلي إلا أن يكون ذلك العقلي قد يعارضه نقل آخر ، فهذا أيضا ترجيح على الدليل النقلي عند التعارض ، وكذا التعارض في الحقيقة إنما هو بين النقليات وذلك كما دل الدليل العقلي على أنه تعالى ليس في مكان ودل قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى على المكان ظاهرا فيجب ترجيح ذلك العقلي لتأيده بالنقليات الدالة على أنه تعالى منزه عن الكون والمكان : ( الثالث ) ما تعارض فيه محض العقل والنقل من غير تأييد بالنقل فهذا لا يرجح فيه العقل بل نعمل بالنقل . ولا تستغرب مثل هذا فإنه مدلول الأخبار الصحيحة الصريحة فيه ، وذلك أنهم عليه السّلام نهوا عن الاعتماد على العقول لأنها ضعيفه لا تدرك الأحكام ولا عللها ، وما حصل محقق الأصحاب ( رض ) دلائلهم العقلية إلا بسبب ورود النقل بمضمونها فأيدوا النقل بذلك الدليل ، لكنهم في كثير من المواضع يهملون مثل هذا ويعولون على العقل ويطرحون النقل لأجله وقبل هذا الكلام : قال ما لفظه : قال الرازي : هذه الأشياء المسماة بالبراهين لو كانت في أنفسها براهين لكان كل من سمعها ووقف عليها وجب أن يقبلها وان لا ينكرها أصلا ، وحيث نرى أن الذي يسميه أحد الخصمين برهانا فإن الخصم الثاني يسمعه ويعرفه ولا يفيد له ظنا ضعيفا علمنا أن هذه الأشياء ليست في أنفسها براهين بل هي مقدمات ضعيفة انضافت العصبية والمحبة لها فتخيل بعضهم كونها برهانا ، مع أن الأمر في نفسه ليس كذلك . وأيضا فالشبه يحتج على القول بالتشبيه بحجة ويزعم أن تلك الحجة أفادته الجزم واليقين ، فأما أن يقال : إن كل واحد من هاتين الحجتين صحيحة يقينية فحينئذ يلزم صدق النقيضين وهو باطل ، وأما أن يقال : إن إحداهما صحيحة والأخرى فاسدة إلا أنه متى كان الأمر كذلك كانت مقدمة واحدة من مقدمات تلك الحجة باطلة في نفسها ، مع أن الذي تمسك بتلك الحجة جزم بصحة تلك المقدمة ابتداء ، فهذا يدل على أن العقل يجزم بصحة الفاسد ابتداء ، فإذا كان كذلك كان العقل غير مقبول القول في البديهيات ، وإذا كان كذلك فحينئذ تفسد جميع الدلائل . فإن قالوا : العقل إنما جزم بصحة ذلك الفاسد لشبهة متقدمة ، فنقول : قد حصل في تلك الشبهة المتقدمة مقدمة فاسدة فإن كان